هام قيس بن الملوح المعروف بمجنون بني عامر بليلى بنت سعد .. هياماً شديدا فقده عقله . ثم عن ابا المجنون و أمه ورجال عشيرته اجتمعوا الى ابي ليلى فوعظوه و ناشدوه الله والرحم ، و قالوا له : ان هذا الرجل لهالك . و أقبح من الاهلاك ذهاب عقله ، و انك فاجع به أباه و أهله ، فنشدناك الله والرحم أن تزوجه ليلى فوالله ماهي اشرف منه ، ولا لك مثل مال أبيه ، وقد حكمك في المهر ، و ان شئت ان يخلع نفسه اليك من ماله فعل . فأبى وحلف بالله وبطلاق امها انه لا يزوجه إياها ابدا ، وقال : أفضح نفسي وعشيرتي و آتي مالم يأتِهِ أحد من العرب ، و أسم ابنتي بميسم فضيحة ! فانصرفوا عنه ، و خالفهم لوقته فزوجها رجال من قومها و ادخلها إليه ، فما امسى إلا وقد بنى بها ( تزوجها وافتض بكارتها ) و بلغ المجنون الخبر فأيس منها حينئذٍ و زال عقله جملة ، فقال الحيّ لأبيه : احجُج به الى مكة وادعُ الله عز وجل له ، ومُرهُ أن يتعلق بأستار الكعبة فيسأل الله ان يعافيه مما به ويبغّضها اليه ، فلعل الله ان يخلصه من هذا البلاء ، فحج به ابوه ، فلما صاروا بمنى سمع صائحا في الليل يصيح : ياليلى ، فصرخ صرخة ظنوا أن نفسه قد تلفت ، وسقط مغشيا عليه ، فلم يزل كذلك حتى أصبح ثم افاق متغير اللون ذاهلا فأنشأ يقول : عرضتُ على قلبي العزاء فقال لي *** من الآن فأيأس لا أعزك من صبرِ ثم قال له أبوه : تعلق بأستار الكعبة واسأل الله أن يعافيك من حب ليلى ، فتعلق بأستار الكعبة و قال : (( اللهم زدني ليلى حبا و بها كلَفاً ولا تُنسني ذكرها أبداً )) فهام حينئذٍ وفقد وعيه . قالوا : وقد كان يهيم في البرية مع الوحش ولا يأكل الا ماينبت في البرية من بقل، ولا يشرب الا مع الظباء إذا وردت مناهلها ، و طال شعر جسده و رأسه و ألفته الظباء والوحوش فكانت لا تنفر منه ، وجعل يهيم حتى يبلغ حدود الشام ، فإذا ثاب اليه عقله سأل من يمر به من أحياء العرب عن نجد فيقال له : و أين أنت من نجد ! قد شارفت الشام ! أنت في موضع كذا ، فيقول : فأروني وجهة الطريق، فيرحمونه و يعرضون عليه أن يحملوه أو يكسوه فيأبى ، فيدلونه على طريق نجد فيتوجه نحوه .. قالوا : و مرّ المجنون بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم شاتٍ ، وقد أتى ابن عمّ له في حي المجنون لحاجة ، فوقف عليه ثم أنشأ يقول : بربك هل ضممت إليك ليلى *** قُبيل الصبحِ أو قبلت فاها وهل رفّت عليك قرون ليلى *** رفيف الأقحوانة في نداها فقال : اللهم إذ حلّفتني فنعم .. قال : فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر ، فما فارقهما حتى سقط مغشياً عليه ، وسقط الجمر مع لحم راحتيه ، وعض على شفته فقطعهما ، فقام زوج ليلى مغموماً بفعله ، متعجباً منه فمضى .. ** تبكي وتقول أنا ليلى ** و عن أشياخ من بني مرّة قالوا : خرج منا رجل الى ناحية الشام والحجاز و مايلي تيماء و السراة و أرض نجد في طلب بغية فإذا هو بخيمة قد رُفعت له وقد أصابه المطر فعدل إليها و تنحنح فإذا امرأة قد كلمته . فقالت : أنزل ، فنزل .. قال : وراحت إبلهم وغنمهم فإذا أمر عظيم ، فقالت : سَلُوا هذا الرجل من أين أقبل ، فقلت: من ناحية تهامة ونجد . فقالت : ادخل أيها الرجل ، فدخلت الى ناحية من الخيمة ، فأرخت بيني و بينها ستراً ثم قالت لي : يا عبد الله ، أي بلاد نجد وطئت؟ فقلت : كلها . قالت : فبمن نزلت هناك ؟ فقلت : بني الحريش ، فاستعبرت ثم قالت : فهل سمعت بذكر فتى منهم يقال له : قيس بن الملوح و يلقب بالمجنون ؟ قلت : بلى والله ! وعلى أبيه نزلت ، وأتيته فنظرتُ إليه يهيم في تلك الفيافي ، ويكون مع الوحش لا يعقل ولا يفهم إلا أن تُذكر له امرأة يقال لها ليلى ، فيبكي ويُنشد أشعاراً قالها فيها .. قال فرفَعَتِ الستر بيني وبينها ، فإذا فلقةُ قمرِ لم ترَ عيني مثلها ، فبكت حتى ظننت –والله- أن قلبها قد انصدع ، فقلت : أيتها المرأة اتقي الله فما قلتُ بأساً ، فمكثت طويلاً على تلك الحال من البكاء والنحيب ثم قالت : ألا ليت شعري والخطوب كثيرةٌ *** متى رحل قيسٍ مستقل فراجع بنفـسيَ من لا يستـقل برحله *** ومن هو ان لم يحفظ الله ضائع ثم بكت حتى سقطت مغشياً عليها ، فقلت لها : من أنتِ يا أمة الله ؟ و ما قصتكِ ؟ قالت : أنا ليلى صاحبته المشؤومة والله عليه غير المؤنسة له ، فما رأيتُ مثل حزنها و وجدها عليه قط .. ** نهاية عاشق ** قالوا : إن عثمان بن عمارة المري أخبر أن شيخا من بني مرّة حدثه أنه خرج الى أرض بني عامر ليلقى المجنون ، قال : فدُلٍلتُ على محلّته فأتيتها ، فاذا أبوه شيخ كبير وإخوة له رجال واذا إبل كثير ، وخير ظاهر فسألتهم عنه فاستعبروا جميعا ، وقال الشيخ : والله لهو كان آثر في نفسي من هؤلاء وأحبهم إلي ! وإنه هوي امرأة من قومه ، والله ماكانت تطمع في مثله ، فلما ان فشا أمره وأمرها كره ابوها أن يزوجها منه بعد ظهور الخبر فزوجها من غيره فذهب عقل ابني ولحقه خَبَل وهام في البراري وجداَ عليها ، فحبسناه وقيدناه ، فجعل يعض لسانه وشفتيه حتى خفنا عليه أن يقطعها فخلينا سبيله فهو يهيم في هذه البراري مع الوحوش يُذهبُ إليه كل يوم بطعامه فيوضع له حيث يراه ، فإذا تنحوا عنه جاء فأكل منه . قال : فسألتهم أن يدلوني عليه ، فدلوني على فتى من الحي كان صديقا له وقالو انه لا يأنس إلا به ، ولا يأخذ أشعاره عنه غيره . فأتيته فسألته أن يدلّني عليه ، فقال : إن كنت تريد شعره فكل شعره إلى أمس عندي . و أنا ذاهب إليه غداَ ، فإن كان قال شيئاَ أتيتك به، فقلت : بل أريد أن تدلني عليه لآتيه ، فقال لي : إنه إن نفرَ منك نفر مني ، فيذهب شعره ، فأبيتُ إلا أن يدلني عليه فقال : اطلبه في هذه البراري والصحاري فإذا رأيته فادنُ منه مستأنساً ولا تـُرِه أنك تهابه ، فإنه يتهددك و يتوعدك ان يرميك بشئ فا يروعنّك و اجلس صارفاً بصرك عنه والحظهُ أحياناَ ، فإذا رأيته قد سكن من نِفاره فأنشده شعراً غزلاًَ ، وإن كنت تروي من شعر قيس بن ذُريح ( وهو الشاعر المتيم صاحب لبنى بنت الحباب الكعبية ، من شعراء العصر الأموي و من سكان المدينة توفي سنة 68 هـ ) شيئاً فأنشده إياه فإنه معجب به ، فخرجت فطلبته يومي الى العصر فوجدته جالسا على رمل قد خط فيه بإصبعة خطوطا ، فدنوت منه غير منقبض ، فنفر مني ، نفور الوحوش من الإنس ، والى جانبه أحجار فتناول حجراً فأعرضت عنه ، فمكث ساعة كأنه نافر يريد القيام ، فلما طال جلوسي سكن وأقبل يخط بإصبعه فأقبلت عليه وقلت : أحسن والله قيس بن ذريح حيث يقول: ألا ياغراب البين ويحك نبّنـي *** بعلمك في لُبنى و أنت خبيرُ فإن أنت لم تُخبر بشءٍ علمته *** فلا طِرتَ إلا و الجناحُ كسيرُ فأقبل عليّ و هو يبكي فقال: أحسن و الله ، و أنا أحسن منه قولاً حيث أقول: كأن القلب ليلةَ قيل يُغدى *** بليلى العامرية أو يـُراحُ قطاةٌ عزها شَرَكُ فبـاتــت *** تُجاذبه وقد عَلِقَ الجناحُ فأمسكت عنه هنيهةً ، ثم أقبلت عليه فقلت : و أحسن و الله قيس بن ذريح حيث يقول : و قالوا غداً أو بعـد ذاك بـلـيـلـةٍ *** فراقُ حبيبٍ لم يَبن وهو بائنُ وماكنتُ أخشى أن تكون منيتي *** بكفّيك إلا أن مـن حـان حـائـنُ قال : فبكى –والله- حتى ظننت أن نفسه قد فاضت ، وقد رأيت دموعه قد بلّت الرمل الذي بين يديه ثم قال: أحسن لعمر الله ، و أنا والله أشعَـر منه حيث أقول : و أدنيتني حتى إذا ما سبيتني *** بقولٍ يُحل العُصمَ سهلَ الأباطحِ تناءيتِ عني حين لا ليَ حيلةٌ *** و خلّفتِ ما خلّفتِ بين الجوانحِ ثم سنحت له ظبية فوثب يعدو خلفها حتى غاب عني وانصرفت . وعُدتُ من غدٍ فطلبته فلم أجده ، وجاءت امرأةٌ كانت تصنع له طعامه إلى الطعام فوجدته بحاله ، فلما كان في اليوم الثالث غدوت ، وجاء أهله معي فطلبناه يومنا فلم نجده ، وغدونا في اليوم الرابع نستقري أثره حتى وجدناه في وادٍ كثير الحجارة خشن ، وهو ميت بين تلك الحجارة فاحتمله أهله فغسلوه وكفنوه ودفنوه.
